وغلبته امرأة!

سبتمبر 12th, 2008 كتبها جمال بن محمد نشر في , الزهد و الرقائق

 

( 1 )

 

في نهاية الدولة الأموية وبداية العباسية, جلست "أم سلمة" المخزومية، إحدى نساء العرب، وكانت توصف بالجمال، وقد ضاقت بها الأرض بما رحبت؛ فقد تزوجت مرتين قبل ذلك فمات كلاهما الواحد تلو الآخر..

 

فقد تزوجت "أم سلمة" من عبد الله بن الوليد بن المغيرة، فمات، فتزوجت بعده من عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك الأموي فمات… وأشفقت على نفسها من مستقبلها المجهول.

 

فدخلت عليها جاريتُها فرأتها مهمومة، فعلِمت ما تحمله من هموم فقالت لها: علامَّ يا سيدتي تجلسين هكذا؟! قالت "أم سلمة": إن الناس يرمونني بأبصارهم وكأنني أنا شؤم على من أتزوجه.

 

قالت الجارية: لا تجعلي هذا التفكير يسيطر عليكِ، فأنتِ شابة جميلة، تزوجتِ من أسياد العرب قبل ذلك، ولكِ من العزّ والجاه والمكانة ما لا يُنكر.

 

قالت "أم سلمة": إن الرجال يفرّون مني كأنني سببٌ في قتلهم.

 

قالت الجارية: لو جعلتِ تفكيركِ وذكائكِ في التركيز على الحصول على زوج من سادات القوم وكبراءهم، وأفضل من زوجيكِ السابقين لكان ذلك خيرٌ وأجدى.

 

وصوّبت "أم سلمة" نظرها إلى الجارية… وكان يدور في خلدها شيء واحد: كيف يخرج هذا الكلام العميق من هذه الجارية البسيطة؟

 

وبينما المرأتان تتجاذبان أطراف الحديث، إذ مرّ أمامهما رجلٌ جميلُ الطلعة، وسيمُ الشكل، مكتمل الصحة، موفورُ الفتوة.

 

فسألت عنه "أم سلمة" وعرفته. إنه أبو العباس عبد الله السفاح.. وأصبح تفكير "أم سلمة" منصبٌ في أمر واحد، ألا وهو الزواج من هذا الرجل الوسيم.. السيد في قومه.

نادت على جاريتها وأرسلتها له تعرض عليه أن يتزوجها، وقالت لجاريتها: هذه سبعمائة دينار قدميها له إذا اشتكى الفاقة، وكانت "أم سلمة" تمتلك المال الكثير من الحشم الجواهر وغير ذلك. 

 

فأتته الجارية وعرضت عليه ذلك. قال أبو العباس: أنا فقير مدقع لا مال عندي، فدفعت الجارية إليه المال.

وما إن وصلت الأموال إلى يديه حتى أقبل إلى أخيها وطلب أن يزوجه منها. فزوّجه إياها، فأصدقها خمسمائة دينار. وأهدى من يلوذ بها مائتى دينار. 

 

وزُفَّت إليه في ثياب موشاة بالجواهر، وحظيت عنده حتى أصبح لا يقطع أمرًا إلا بمشورتها حتى أفضت الخلافة إليه.

 

 

(2)

 

آلت الخلافة إلى أبي العباس السفّاح، وكانت ظروفًا قاسية جدًا، وشاركته "أم سلمة" تلك الظروف القاسية فلم تسقط الخلافة إلى أبي العباس سهلة أو عن أبيه الخليفة السابق، بل وصلت إليه على أنهار من الدماء من أحباب وأعداء..

 

وقد استطاع الأمويوّن أن يقتلوا والد أبي العباس وهو إمامهم إبراهيم، حيث قتلوه أبشع قتلة.

 

وتمخضت البلاد عن تغييرات كبيرة كان نتيجة ذلك تولى العباسيين الحكم، وكان أولهُم الخليفةُ العباسي الأول أبو العباس السفاح، الذي عُرف بحزمه وعزمه، وكثرة بطشه وسفحه لدماء أعدائه حتى دانت له البلاد والعباد.

 

وكان أبو العباس من الخلفاء القلائل الذين اكتفوا بزوجة واحدة، فقد اكتفى بـ"أم سلمة" عن العالمين وشغلته السياسة بأفراحها وأتراحها فلم يلتفت إلى عالم المرأة بما فيه، إلا في شخص "أم سلمة".

 

فلما كان ذات يوم فى خلافته، خلا به خالدُ بن صفوان فقال له: يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك وسعة ملكك، وقد ملّكت نفسك امرأةٌ واحدة، فإن مرضتْ مَرِضْتَ، وإن غابت غاب الأُنس عنك، وحَرَمْت نفسَك التلذذَ بظريفات الجواري والتمتع بما يشُتهى منهن، فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء، وإن منهن البضة البيضاء، والدقيقة السمراء، والبربرية العجزاء، ولكل منهن فتنة ومذاق.

 

وجعل خالد يطنب في الوصف، وكان إطنابه يزيد الموضوع حلاوة وطلاوة.

 

فلما فرغ من كلامه، قال أبو العباس: ويحك يا خالد! ما صكَّ مسامعي والله كلام أحسن مما سمعته منك، فأعد علي ّ كلامك، فقد وقع مني موقعا. فأعاده عليه خالد أحسن مما ابتدأ، ثم انصرف.

 

وبقى السفاح مفكرًا فيما سمع منه، فدخلت عليه زوجته "أم سلمة"، فلما رأته مفكراً مغتمّاً..

 

نظرت إليه نظرة الخبير بما يملك، ثم قالت: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، فهل أمر تكرهه أو أتاك خب

المزيد


ماذا أعددت لأول منزل من منازل الآخرة، القبر؟

أغسطس 24th, 2008 كتبها جمال بن محمد نشر في , الزهد و الرقائق

أخي المسلم، هل أنت مؤمن حقاً أن الموت حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث بعد الموت حق؟ لأن كثيراً من الناس إيمانهم بذلك إيمان نظري أشبه بالشك، كما قال الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (لم أر يقيناً أشبه بالشك كيقين الناس بالموت، موقنون أنه حق ولكن لا يعملون له).

إن كنت مؤمناً بذلك حق الإيمان فماذا عملت لأول منزل من منازل الآخرة؟ ولذلك اليوم الذي له ما بعده؟ ولتلك الليلة، ليلة قبرك، التي صبحها يوم القيامة؟

عن هاني مولى عثمان رضي الله عنه قال: (كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن القبر أول منازل الآخرة. فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه")1.

هذا المنزل الموحش الغريب الذي يفرد فيه الميت، ليس فيه أنيس ولا جليس إلا عمله، وهذا المنظر الذي ليس هناك منظر أفظع منه ماذا أعددت له؟ وأنت تعلم علم اليقين أنك ستبقى فيه زماناً طويلاً ودهراً مديداً، أضعاف أضعاف بقائك في منزلك الدنيوي الذي تبذل فيه كل غالٍ ونفيس، ولا تدخر عنه مالاً دسيساً تليداً ولا جديداً، ولا يحذر البعض من بنائه وتشييده بكل ما تيسر لديه ووقع في يديه من مال حلال أو حرام أو مشبوه.

وهل تعلم أن عذاب القبر ونعيمه حق لا مرية فيه، قال تعالى عن آل فرعون: "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ"2 وقال صلى الله عليه وسلم فيما صح عن عائشة رضي الله عنها: "أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: نعم عذاب القبر. قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" زاد غندر: "عذاب القبر حق"3 .

عذاب القبر، أعاذنا الله وإياكم منه وكذلك نعيمه حسي ومعنوي يصيب الجسد والروح معاً وهما نائلان كل ميت قبر أم لم يقبر، أكلته السباع، أم أحرق بالنار فالله قادر والقادر لا يعجزه شيء.

يدل على ذلك ما صح عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع على قبره، وتولى عنه أصحابه ـ وإنه ليسمع قرع نعالهم ـ أتاه ملكان4، فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد صلى الله عليه وسلم، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً".

قال فتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: "وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمضارب من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين"5.

وهل تعلم أخي الحبيب أن غالب عذاب القبر من الغيبة وعدم التنزه من البول؟ فعليك الاحتراز عن ذلك فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير6، ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله"7.

وهل تعلم أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار كما صح بذلك الخبر.

وهل تعلم أن قبور أهل الكب

المزيد


التالي
السابق