ابن تيمية وجماعة التبليغ
كتبهاجمال بن محمد ، في 26 يونيو 2009 الساعة: 12:09 م
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فإن الأمر إذا اجتمع فيه الحق والباطل والشر انطلى على كثير من الناس حقيقة حكمه ، وصار له مؤيدون وأنصار ، فكلما ذكر لهم الشر والباطل الغالبان عارضوه بما فيه من حق وصواب ، وهذا هو شأن كل بدعة عليها طائفة من الناس ، قال ابن تيمية : وم صبر من أهل الأهواء على قوله ، فذلك لما فيه من الحق ، إذ لابد فى كل بدعة – عليها طائفة كبيرة – من الحق الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوافق عليه أهل السنة والحديث : ما يوجب قبولها ، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال 1هـ ، وإن مما جمعت بين الحق والباطل والخير والشر جماعة التبليغ ( المعروفة ) الناشئة على يد مؤسسها محمد إلياس الكاندهلوى فى منتصف القرن الرابع عشر فى الهند وهذه الجماعة قد اشتهرت بالدعوة والتضحية لكن للأسف على غير هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه – كما سيأتى بيانه إن شاء الله – وقبل البيان والتدليل ، أشير إلى أمر مهم غاية الأهمية وهو : أن الكلام على جماعة معينة يعود إلى الكلام على منهجها لا إلى أفرادها ، لذا يصح لأحد أن يعيب دين الاسلام لأن المنتسبين إليه – فى زعمه – أناسا جادين قائمين به – هذا أبدا لا يصح بل النقد والتقويم يكون للمناهج لا للأفراد إذ الأفراد يتغيرون من زمن لآخر ثم قد يكون حسنهم أو قبحهم راجعا لأمر خارجى لا علاقة له بالمناهج ؛ لذا أرجو اتنبيه لهذا الأمر المهم واستحضاره عند النقد والكلام على المناهج الدعوية وغيرها ، فإنك كثيرا ما إذا انتقدت جماعة التبليغ بأنها لا تهتم بالعلم عارضك أحدهم بأن معنا فلانا وفلانا ، وهو طالب علم هكذا … والمجيب بمثل هذا لم يرق بين منهاج الجماعة وأفرادها الملتحقين بها .
البيان والتدليل على أن جماعة التبليغ فى الدعوة على طريقة مبتدعة مخالفة لهدى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام :
1- فى هذه الجماعة لا تهتم بالدعوة إلى توحيد الألهية ( العبادة ) وهى الدعوة التى من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الثقلان ، وقالل تعالى : ( لقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وقال : ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) وهى وإن ذكرت من أصولها الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ) إلا أنها من أبعد الناس عنها وذلك أن التوحيد الذى يعتنون به هو توحي الربوبية الذى أقر به كفار قريش ولم يدخلهم فى الاسلام دون توحيد الألوهية الذى من أجله أرسلت الرسل .
والدليل على أن هذه الجماعة لا تعتنى بتوحيد الألهية ( العبادة ) ما يلى :
أقتصر على ثلاثة وهى :
أ. أن فى مركزهم الرئيسى فى الهند والسودان قبورا ، وكذا بجوار مركزهم الرئيس فى رائى وند بالباكستان . وذكر هذا من خبرهم وعايشهم ثمان سنوات الشيخ المعروف سعد الحصين .
ب. أن أكابر المنتسبين إليها على عقائد شركية وبدعية ، ومع ذلك ما زالوا من أكابرهم فهذا يدل على دلالة واضحة على أن الجماعة لا تبالى بتوحيد العبادة . قال الأستاذ/ سيف الرحمن بن أحمد الدهلوى : إن أكابر أهل التبليغ يرابطون على القبور ، وينتظرون الكشف والكرامات والفيوض الروحية من أهل القبور ، ويقرون بمسألة حياة النبى صلى الله عليه وسلم وحياة الأولياء حياة دنيوية لا برزخية مثل ما يقر القبوريون بنفس المعنى 1 هـ ، وقد نقل الشيخ حمود التويجرى – رحمه الله – شهادات سبعة أشخاص مع تواقيعهم أن هذه الجماعة عندها كفريات وبدع .
ج. أنك إذا جالست أفراد هذه الجماعة رأيت تفسيرهم للكلة الطيبة بما يتعلق بتوحيد الربوبية دون الألوهية . فجرب تجد – حماك الله .وإن كون هذه الجماعة لا تهتم بالتوحيد كاف فى اسقاطهم عند الموحدين السائرين على طريقة النبيين والمرسلين ذلك لأن دعوة الأنبياء والمرسلين هى الدعوة إلى أفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة دون أحد سواه فمن خالفهم فى الدعوة فليس من أتباعهم الناجين .
د. أن هذه الجماعة أعدت لأتباعها من العجم كتاب " تليغى نصاب " وفيه – كما سيأتى – الدعوة الصريحة إلى طب الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا كما يقرر علماؤنا شرك أكبر محبط للعمل ومخرج من الملة ، فبإعدادهم لهذا الكتاب والحث عليه ، بل وتوزيعه ، وتكون جماعة التبليغ قد أدانت بأنها ليست مهملة لدعوة التوحيد فحسبب ، بل داعية شرك . نسأل الله السلامة .
2- أن هذه الجماعة قد انغمست فى البدع المختلفة فهم يبايعون العجم ومن يثقون به من العرب على الطرق الصوفية المبتدعة الأربعة الجشتية والنقشبندية والقادرية والسهرودية .
وكذلك كتابهم المعد لأتباعهم من العجم " تبليغى نصاب " فيه من البدع الكثيرة المهلكة منها :
أ. الحث على السفر إلى المدينة النبوية بقصد زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الحج بدليل " من حج فلم يزرنى فقد جفانى " وهذا الفعل بدعة والحديث موضوع .
ب. الحث على التوجيه لقبره صلى الله عليه وسلم بالدعاء الآتى " يا رسول الله أسألك الشفاعة " .
ج. صفة السلام على العمرين أبى بكر وعمر " جئناكما نتوسل كما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع لنا ويدعو لنا ربنا .
د. فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم أخرج يده من قبره ليتمكن الشيخ / أحمد الرفاعى ( فى القرن السادس الهجرى ) من تقبيلها على مرأى من تسعين ألف مسلم . فيا سبحان الله إلى هذه الدرجة التلاعب بعقول الناس والأصحاب ، أليس من بينهم رجل رشيد ؟
هـ. فيه أن الكعبة تذهب إلى بعض الصالحين فى أماكنهم ، فبحث الجماعة على كتاب " تبليغى نصاب " تكون جماعة التبليغ داعية للبدع الموبقة .
3- لا يهتم التبليغون بالعلم وليس عندهم فى مناهجهم العلم بمعناه الحق – معرفة أحكام الشرع بأدلته – والدراسة على العلماء فهم مفرطون فى شرط العبادة الثانى ، وهو المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فيا سبحان الله إذا لم يكن عندهم علم فإلى أى شئ يدعون ؟ وهل فاقد الشئ يعطيه ؟ ودعوة الأنبياء دعوة على علم ، وقال تعالى : ( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعنى ) فلأجل عدم اهتمامهم العلم وقعوا فى بدع كثيرة فى باب العبادات – زيادة على ما سبق ذكره من البدع .
4- من أصول هذه الجماعة الخروج : وهو السفر للدعوة إلى الله ، وهذا الأصل محمود مطلوب موجود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أرسل جماعات من الصحابة للدعوة إلى الله ، فأرسل أبا موسى وعليا ومعاذا وأبا هريرة وغيرهم – رضى الله عنهم أجمعين – لكن على غير طريقة التبليغيين ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرسل إلا العلماء فلم يرسل غيرهم للدعوة إلى الله مع وجود المقتضى والحاجة فى زمانه وانتفاء المانع ، وما كانت هذه صورته فحكمه بدعة فى الشريعة . فنخلص من هذا أن إرسال الجهال للدعوة إلى الله من جملة البدع ولا يصح لأحد أن يستدل بما رواه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بلغوا عنى ولو آية " فيقول : هذا يشمل كل من عرف ولو آية واحدة فى حالة سفر أو حضر إذ يقال : خير فهم هذا الكلام وعمل به من تلفظ به صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك لم يفهم أن شامل لما ذكرت إذ لو كان فاهما ما ذكرت لأرسل حتى غير العلماء من الصحابة للدعوة ، فلما لم يفعل مع وجود الحاجة وانتفاء المانع دل على أنه غير داخل فى مطلق الحديث ثم إن الجهال من التبليغيين وغيرهم إذا ذهبوا للدعوة لا يقتصرون على تلاوة آية أو ذكر حديث .
تنبيه : قد اعترض بعضهم على هذا بأن ضمامة بن ثعلبة وغيره م اوفود الذين أسلموا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا إلى قومهم دعاة مع كونهم لم يتلقوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير علم ، وما ذكره هذا المخالف لا يعارض مما سبق تقريره بل يؤكده وذلك أن رسول الله لم يرسل هؤلاء إلى قومهم للدعوة ولم يكن المقصود من سفرهم الدعوة إلى دين الاسلام بل هم راجعون إلى بلادهم وقومهم ، والبحث جار فيمن قصد من السفر الدعوة إلى الله لا أن يكون قصده أمرا آخر ثم تعرض له الدعوة تبعا . والله الموفق .
فائدة : من المهم – أيها القارئ – أن تحيط علما ومعرفة مؤسس هذه الجماعة : هو محمد إلياس بن محمد بن إسماعيل الكاندهلوى الديونبدى الحنفى مذهبا الأشعرى الماترودى عقيدة الصوفى طريقة . أخذ البيعة الصوفية على يد الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى ثم جددها بعد موت الشيخ رشيد على يد الشيخ أحمد السهارنفورى الذى أجازه فى مبايعة غيره على النهج الصوفى المعروف .
وقد كان محمد إلياس يجلس فى الخلوة عند قبر الشيخ نور محمد البدايونى وفى المراقبة الجشتية عند قبر قدوس الكنكوهى الذى كانت تسيطر عليه فكرة وحدة الوجود 1 هـ .
وقال الشيخ سيف الرحمن عن محمد إلياس : هو الحنفى مذهبا والصوفى مشربا قليل البضاعة العلمية غير شهير فيها لكن كان قوى الحماس للدعوة إلى الدين الاسلامى – بل إلى الدين الصوفى – وإلى المسلك التصوفى الطرقى … اهـ .
وفى كلام هؤلاء الأرجلة رد على أولئك التبليغيين الموجودين فى جزيرة العرب الزاعمين أن محمد إلياس داعية سلفى يدعو إلى توحيد الألوهية ونبذ الشرك بالله . فانظر إلى أى مدى بلغ التلاعب بعقول الناس ؟ وإلى أى حد بلغ التدليس والكذب ؟
- إخوة الايمان – هل يوجد سلفى موحد يقر كتاب ( تبليغى نصاب ) المتضمن للشركيات والبدع ؟ وهل يوجد سلفى يبايع على الطرق الصوفية وهكذا أتباعه من بعده كما أقر بذلك أمير الجماعة الحالى إنعام الحسن فى رسالة كتبها للشيخ سعد الحصين – حفظه الله ؟ وأليس لو كان داعية سلفيا لرأيت أتباعه – فى الغالب – دعاة سلفيين ؟ ثم – وأيم الله – لو كان داعية سلفيا نابذا للشرك لتطايرات الأخبار بذلك من ناصريه ومعاديه فأين هى ؟ ولم مترجموه لم يذكروا ذلك عنه ؟
أيها الألباء / جماعة هذا مؤسسها فما الذى يرجى منها ؟!
شبهة حول التبليغيين فى جزيرة العرب وجوابها :
يتناقل طائفة كثيرة من الناس شبهة وهى : أن ما سبق ذكره إنما هو حق التبليغيين الموجودين فى الهند والباكستان ، أما التبليغيون الموجودون فى جزيرة العرب والدول العربية أصحاب اعقيدة السلفية لا ينطبق عليهم هذا التحذير وهم على خير .. إلخ ، وهذه الشبهة تضمنت حقا وباطلا ؛ أما كون هؤلاء ليسوا كأولئك إذ هم على عقيدة سلفية صحيحة فهذا حق فيمن كان كذلك ، لكن ليس معنى هذا أنهم فى الدعوة ليسوا على طريقة بدعية ، وأيضا المستمر منهم مع هؤلاء التبليغيين موافق لهم على عدم إنكار الشرك ؛ لأن من أصولهم عدم إنكار المنكر أيا كان ، بل وسيوالى التبليغيين الهنود والباكستانيين المبتدعة الواقعين فى الشرك ؛ لأنهم من جماعته فتراه يحضر اجتماعهم السنوى ، ويخرج معهم للدعوة على هذه الطريقة الضالة ، فهم بهذا على خطر عظيم وطريق غير مستقيم واج عليهم أجمعين تركها والتوبة إلى الربد الرحيم من الانتساب إليها لكونها مخالفة للشرع من أوجه :
1. أن هؤلاء التبليغيين الهنود ونحوهم مبتدعة – على أقل الأحوال – فالواجب البراءة منهم ، والتحذير من سلوك طريقهم لا الانتساب إليهم والدفاع عنهم ، كما هو حال التبليغيين الموجودين فى جزيرة العرب .
قال الشيخ حمود التويجرى : وأما قول السائل : هل أنصحه بالخروج مع التبليغيين فى داخل البلاد – أى فى البلاد السعودية – أو فى خارجها أم لا ؟ فجوابه أن أقول " إنى أنصح السائل وأنصح غيره من الذين يحرصون على سلامة دينهم من أدناس الشرك والغلو والبدع والخرافات أن لا ينضموا إلى التبليغيين ، ولا يخرجوا معهم أبدا ، وسواء كان ذلك فى البلاد السعودية أو فى خارجها ؛ لأن أهون ما يقال فى التبليغيين أنهم أهل بدعة وضلالة وجهالة عقائدهم وفى سلوكهم ، ومن كانوا بهذه الصفة الذميمة ؛ فلا شك أن السلامة فى مجانبتهم والبعد عنهم – ثم قال – وقد كان السلف الصالح يحذرون من أهل البدع ، ويبالغون فى التحذير منهم ، وينهون عن مجالستهم ومصاحبتهم وسماع كلامهم ، ويأمرون بمجانبتهم ومعاداتهم وبغضهم وهجرهم.
قال الشيخ إسماعيل بن عبد الرحيم الصابونى فى " عقيدة أهل السنة والجماعة " ويجانبون أهل البدع والضلالات ، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات ، ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا فى الدين ما ليس منه ، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم فى الدين ولا يناظرونهم ،ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التى إذا مرت بالآذان ووقرت فى القلوب ؛ ضرت وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة اهـ .
قال الامام إسماعيل الصابونى : " واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم ، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم ،والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم " انتهى 1هـ .
2. أن هؤلاء التبليغيين المنتسبين للعقيدة السلفية متشبهون بأولئك المبتدعة فى الدعوة إلى الله وقد ثبت عند الإمام أحمد وأبى داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تشبه بقوم فهو منهم " وهذا نص عام يشمل حتى المبتدعة وقد عممه طائفة من أهل العلم حتى على لفساق فكيف بمن هم أشد وأضل ؟ المبتدعة .
3. أنهم وإن سلموا مما عندهم من الشركيات إلا أنهم لم يسلموا من الأمور الأخرى البدعية والدعوة بجهل ، ومن المشاهد لكل ذى بصيرة أن كثيرا منهم جهال ليس لهم عناية بعلم بل شأنهم فى المجالس حكاية القصص – التى الله أعلم بصحبتها – والأمثال وهذا من المشهور المعروف عنهم فهو غنى عن البرهان والتدليل ، وجهلهم هذا بالشرع سبب لهم أمورا مذمومة من الوقوع فى البدع ، وتناقل الأحاديث الضعيفة بل ونسبة بعض الأقوال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أنها من كلامه صلى الله عليه وسلم ومجالسة أصحاب المنكرات حال تلبسهم بالمنكر وعدم الإنكار عليهم.
4. أنهم وقعوا فيما وقع فيه تبليغو الهند وباكستان من الخروج بالجهال للدعوة إلى الله ، وقد سبق أن هذه البدع ، وأ، فاقد الشئ لا يعطيه .
5. أنهم سائرون على طريقة تؤدى إلى تقسيم المسلمين وجعلهم أحزابا وشيعا ، وذلك أنهم تسموا باسم جديد محدث جعلهم متميزين به عن باقى المسلمين السائرين على طريق السلف الماضين ومعلوم كم لهذا من الأثر ى تفريق المسلمين وإشعال الخصومة بينهم فصاروا يسمون أصحابهم أحبابا ودروسهم بيانا ومن المتقرر فى الشرع أن ما أدى إلى تفريق المسلمين وجعلهم أحزابا محرم قال تعالى ( ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ببما لديهم فرحون ) وقال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : ليس فى الكتاب ولا السنة ما يبيح تعدد الجماعات والأحزاب بل فى الكتاب والسنة ما يذم ذلك اهـ . ثم بين خطأ قول القائل : لا يمكن للدعوة أن تقوى وتنتشر إلا إذا كانت تحت حزب .
فتاوى العلماء العالمين بحال التبليغ فيهم :
1- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله/ قال عن جماعة التبليغ لما سئل عنهم : وأعرض لسموكم أن هذه جمعية لا خير فيها، فإنها بدعة وضلالة .وبقراءة الكتيبات المرفقة بخطابهم وجدناها تشتمل على الضلال والبدعة والدعوة إلى عبادة القبور والشرك الأمر الذى لا يسع السكوت عنه. ولذا سنقوم إن شاء الله بالرد عليها بما يكشف ضلالها ويدفع باطلها . ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلى كلمته . والسلام عليكم ورحمة الله . اهـ .
تنبيه : أفاد الشيخ حمود اتويجرى – رحمه الله – أن التبليغيين أهل تلبيس ومكر إذ كانوا لبسوا على الشيخ محمد بن إبراهيم أولا حتى أخرج فتوى تؤيدهم لكن لما تبين له حالهم وصفهم بعد بأنهم أهل بدعة وضلالة وهذه حالهم مع أهل العلم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وصدق الشيخ حمود وهو الصدوق – رحمه الله- وقد بين هذا بيانا واضحا محمد شرقاوى فذكر أن عند التبليغيين فى برامجهم زيارة خاصة للعلماء يظهرون أنفسهم أمام العالم بالسنة ، وأنهم يأتمرون بأمره إذا أمر حتى يطمئن لهم ، ويكون ناصرا لهم فيما بعد . وبهذا تدرك سر انطلاء أمرهم على بعض العلماء وطلاب العلم غير العالمين بهم . فتبيه .
2. سماحة الشيخ بن عبد العزيز بن باز – رحمه الله/ قال فى إجابة سؤال حول جماعة التبليغ ؟ وجماعة التبليغ عندهم جهل وعندهم عدم بصيرة وإلا عندهم تحمس – ثم قال – ما عند بصيرة فى العقيدة ولا ينبغى الانضمام إليهم إلا إنسان عنده علم ينضم إليهم ليوجههم وليكون معهم فى إيضاح الحق أما عامة الناس لا . ثم قال – وإلا عندهم حماس وصبر ونفع الله بهم فى أشياء وأسلم على أيديهم أناس وإلا ما عندهم بصيرة وفى العقيدة . ثم أمر بتعلم العلم للموثوقين كأبن كثير وابن تيمية وابن القيم وابن رجب وأئمة الدعوة والدرر السنية وفتح المجيد ، ثم نهى عن الانضمام لجماعة التبليغ والإخوان المسلمين . ثم ذكر أنه ليس عند جماعة التبليغ دعوة للعقيدة لذا كثر اتباعهم ، وقال فى إجابة سؤال آخر: لا يصح التعصب والتحزب لجماعة التبليغ ولا الإخوان المسلمين . وقال: أما الانتساب إليهم .لا. ولكن زيارتهم للصلح بينهم والدعوة إلى الخير وتوجيههم للخير ونصحيتهم لا بأس .
وسئل – رحمه الله : أحسن الله إليك ،حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى افتراق الأمم : قوله : ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة . فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع ،وجماعة الاخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة . هل هاتين الفرقتين تدخل فى الفرق الهالكة ؟ فأجاب –غفر الله له : تدخل فى الثنتين والسبعين . ومن خالف عقيدة أهل السنة دخل فى الثنتين والسبعين ،المراد بقوله ( أمتى ) : أى أمة الاجابة ،أى استجابوا له وأظهروا اتباعهم له ، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية السليمة التى اتبعته واستقامت على دينه ،واثنتان وسبعون فرقة : فيهم الكافر ،وفيهم العاصى ، وفيهم المبتدع أقسام . فقال السائل : يعنى : هاتين الفرقتين من ضمن الثنتين والسبعين ؟ فأجاب : نعم من ضمن الثنتين والسبعين والمرجئة وغيرهم ، المرجئة والخوارج بعض أهل العلم يرى الخوارج من الكفار خارجين لكن داخلين فى عموم الثنتين والسبعين .
تنبيه : كانت سماحة الشيخ –رحمه الله – فتاوى قديمة فيها تزكية للجماعة ثم بعد ذلك لم يعد يزكيهم وصار فى فتاويه يحذر منهم ويبين أنهم جهال فى العقيدة. وينصح طلاب العلم خاصة بالخروج معهم لدعوتهم وإصلاحهم .أفاده تلميذه فضيلة الشيخ عبد العزيز السدحان – حفظه الله .
3. الشيخ الفقيه الأصولى عبد الرازق عفيفى – رحمه الله / سئل عن خروج جماعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله ؟ فقال الشيخ – رحمه الله – الواقع أنهم مبتدعة ومحرفون وأصحاب طرق قادرية وغيرهم ، وخروجهم ليس فى سبيل الله ، لكنه فى سبيل إلياس ، هم لا يدعون إلى الكتاب والسنة ولكن يدعون إلى إلياس شيخهم فى بنجلاديش ، أما الخروج بقصد الدعوة إلى الاسلام فهو جهاد فى سبيل الله ، وليس هذا هو خروج جماعة التبليغ وأنا أعرف التبليغ من زمان قديم ،وهم المبتدعة فى أى مكان كانوا هم فى مصر وإسرائيل وأمريكا والسعودية وكلهم مرتبطون بشيخهم إلياس.
4. الشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجرى – رحمه الله / قد ألف رحمه الله – كتابا خاصا فيهم ،وله فيهم فتوى عظيمة طبعت مع أول كتابه القول البليغ فلتراجع ، وقد صدر هذه الفتوى بقوله : أما جماعة التبليغ ، فإنهم جماعة بدعة وضلالة وليسوا على الأمر الذى كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان ،وإنما هم على بعض طرق الصوفية ومناهجهم المبتدعة – ثم قال – فى الإجابة عن قول السائل: هل أنصحه بالخروج من التبليغيين فى داخل البلاد ( أى البلاد السعودية ) أو فى خارجها أم لا ؟ فجوابه أن أقول : وأنصح غيره من الذين يحرصون على سلامة دينهم من أدناس الشرك والغلو والبدع والخرافات أن لا ينظموا إلى التبليغيين ولا يخرجوا معهم أبدا سواء كان ذلك فى البلاد السعودية أو فى خارجها … وقد تقدم نقلها – وكلام الشيخ حمود هذا صريح الرد على من قال ابن الشيخ حمودا إنما قصد التبليغيين الذين هم فى الخارج ولم يقصد الذين هم فى الداخل . فتنبه .
5 . الشيخ العلامة المحدث الفهامة : محمد ناصر الدين الألبانى –رحمه الله/ قال : الذى اعتقده أن دعوة التبليغ هى صوفية عصرية لا تقوم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال – إن من عجبى أنهم يخرجون للتبليغ وهم يعترفون أنهم ليسوا أهلا للتبليغ ،والتبليغ إنما يقوم به أهل العلم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل حينما كان يرسل الرسل من أصحابه من أفاضل أصحابه من علمائهم وفقهائهم ليعلموا الناس والدين والاسلام .
6. قال الشيخ العلامة المحدث حماد بن محمد الأنصارى – رحمه الله : جماعة التبليغ فيها خير وشر ، وهم مبتدعة ما تريدية فى العقيدة أحناف متعصبون .وقال هؤلاء الجماعة لا يريدون العلم ولا يطلبونه ، فبهذه الطريقة يفسدون أكثر مما يصلحون ، وجماعة التبليغ أعرفها جيدا ،وهم فى العقيدة ماتريدية جشتية ، وفى المذهب أحناف متعصبة . وقال : السلفية هى الشسنة والجماعة ، لأن معنى السلفية التمسك بما كان عليه السلف الصالح فى الماضى – ثم قال – كل ما كان على فكر مخالف لأهل السنة فليس منهم ، فجماعة الإخوان والتبليغ ليسوا من أهل السنة ،لأنهم على أفكار تخالفهم .
7. الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء – حفظه الله/ قد قدم لكتاب جماعة التبليغ فى شبه القارة الهندية عقائدها – تعريفها وقدم لكتاب حقيقة الدعوة إلى الله تعالى وما اختصت به جزيرة العرب للشيخ سعد الحصين ثم قال فى مقدمة الكتاب : فقد حاول أعداء هذه الدعوة (أى دعوة التوحيد ) أن يقضوا عليها بالقوة فلم ينجحوا ،وحاولوا أن يقاوموها بالتشكيك والتضليل والشبهات ووصفها بالأوصاف المنفرة ، فما زادها إلا تألقا ووضوحا وقبولا وإقبالا ومن آخر ذلك ما نعايشه الآن من وفود أفكار غريبة مشبوهة إلى بلادنا باسم الدعوة ، على أيدى جماعات تتسمى بأسماء مختلفة مثل جماعة الإخوان المسلمين ، وجماعة التبليغ وجماعة كذا وكذا وهدفها واحد وهو أن تزيح دعوة التوحيد وتحل محلها ،وفى الواقع أن مقصود هذه الجماعات لا يختلف عن مقصود من سبقهم من أعداء هذه الدعوة المباركة كلهم يريدون القضاء عليها – لكن الاختلاف اختلاف خطط فقط – وإلا لو كانت هذه الجماعات حقا تريد تغيير مسارها الاصلاحى الصحيح إلى مسار معوج وتريد التغرير بشبابها وإيقاع الفتنة والعداوة بينهم ثم قال : إذا كانت هذه الجماعات قد غررت ببعض شبابنا فتأثروا بأفكارها وتكروا لمجتمعهم وتشككوا فى قاداتهم وعلمائهم وانطفأت الغيرة على العقيدة فيهم ، فتركوا الاهتمام بها وصاروا يهرفون بما لا يعرفون وينعقون بما يسمعون فإن فى هذه البلاد – ولله الحمد – رجالا يغارون لدينهم ويدافعون عن عقيدتهم ، ويريدون كيد الأعداء فى نحورهم ولا ينخدعون بالأسماء البراقة ،ولا يتأثرون بالحماس الكاذب .
8. الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الغديان عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء وعضو هيئة كبار العلماء/ لما سئل عن مصاحبة جماعة التبليغ نهى عن ذلك .
9. فضيلة الشيخ صالح الأطرم عضو هيئة كبار العلماء وعضو الافتاء/ قد ذمهم وحذر منهم وبين كثيرا من عوارهم .
10. فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد/ قد بين فى إجابته عن سؤال حول جماعة التبليغ والإخوان المسلمين أنه جماعات محدثة وأن عندها خطأ وصواب لكن الخطأ أكبر فليخدرها الإنسان .. إلخ .
11. فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله العبود مدير الجامعة الاسلامية بالمدينة النبوية/ قال فى مقدمة كتاب حقيقة الدعوة إلى الله تعالى : وإن فى كل من منهجى جماعة التبليغ والإخوان المسلمين من المخالفات لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورا خطيرة واضحة لمن تدبر وأنصف وسبر عن علم وبصيرة سواء فى العقيدة والتوحيد أو فى السلوك والهدى وقد أوضحت هذه الرسالة المفيدة جانبا مهما من هذا ، كما قد بذل فضيلة الشيخ سعد جهدا مشكورا مفيدا فى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم واحتج على المخالفين بأقوال شيوخهم وعلمائهم التى ميز زيفها بفرقان الوحى النبوى . فلم يعد الصواب فى النقد بل وفق بحمد الله أيما توفيق فجزاه الله خير الجزاء وتقبل منا ومنه .
فصل/ خلاصة أقوال العلماء فيهم
إن جماعة التبليغ مبتدعة فليسوا على الأمر الأول الذى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأنهم جماعة ضلالة فى أى مكان كانوا سواء فى مصر أو السعودية أو غيرها ، فهم صوفية عصرية وجهال لا بصيرة لهم فى أهم المهمات ،وهى العقيدة الصحيحة فليسوا دعاة للتوحيد والعقيدة الصحيحة لذا كثر أتباعهم ، ومن عجيب أمرهم أنهم معترفون بجهلهم،ومع ذلك يدعون غيرهم فهل فاقد الشئ يعطيه ؟ لذا لا يجوز الانضمام إليهم ولا الخروج معهم واستثنى الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – من عنده علم، فإنه لا يصح له الخروج معهم بنية إصلاحهم ودعوتهم لأنهم محتاجون إلى من يدعوهم .
أخى القارئ/ هذه خلاصة كلمات أهل العلم فيهم فأنت تراها واضحة جلية فى ذم الجماعة ،والتحذير منهم ، وان عندهم خللا فى دعوتهم ، لجهلهم وعدم اهتمامهم بالعقيدة الصحيحة ، فهل بعد كلامهم لمبتغى الحق والهدى كلام ؟ وهل بعد رشدهم لطالبه رشد ؟
أيها الموافق/ إن معرفتك بموقف أهل العلم من هذه الجماعة يجعلك تفسر سبب طعن التبليغيين فى طلاب العلم والعلماء ،إما بالتصريح أو التلميح ،ويجعلك تفسر سبب عزلهم أتباعهم عن دروس العلم وأهله ، فإياك واياهم وفر بدينك منهم فإن النجاة كل النجاة فى اتباع ورثة الأنبياء والرسل
وحذارى أن تغتر بهداية بعض الخلق على أيديهم فإن هذا ليس معيارا لصحة دعوتهم بل المعيار حقا والميزان صدقا مدى موافقتهم لطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالنجاة فى الاتباع لا الابتداع، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة – رضى الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاخر " فجمع رسول الله صلى الله عليو وسلم بين كونه فاجرا ونصرته للدين ،وهل هذا إلا لتخلفه عن هدى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .؟
وحذارى – أيضا- أن تغتر بحماستهم وتضحياتهم فى الدعوة إلى الله فإن الاجتهاد فى العمل لا يدل على صحبته ما لم يكن موافقا لهدى الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذا قال غير واحد من السلف : اقتصاد فى سنة خير من اجتهاد فى بدعة ويؤكد هذا ما ثبت فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى الخوارج الموصفين بالاجتهاد فى الصلاة وقراءة القرآن : " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية " وكن على ذكر أن الخطاب للصحابة الذين هم خير الناس صلاة وصياما ، ومع هذا لم ينفع الخوارج اجتهادهم فى العمل لما لم يكن على هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ابن تيمية والتبليغيون :
إن لهذا الامام السلفى الكبير فتوى قوية فى أمثال هؤلاء التبليغيين الموجودين فى بلاد السعودية المخالفين فى طريقة الدعوة دون المعتقد ، وهذه الشدة منه فى حق من معتقده سليم ، فكيف لو كان مخالفا فى المعتقد أيضا ؟ علما أن هذا الامام لم يبادر بالجواب مباشرة ،بل قعد فى ثنايا كلامه قواعد ،وأصل أصولا مهمة حرى بالدعاة معرفتها والإحاطة بها فإليكها مع شئ من التعليقات :
وسئل شيخ الاسلام علامة الزمان .تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم بن تيمية الحرانى – رضى الله عنه.
عن " جماعة " يجتمعون على قصد الكبائر : من القتل ،وقطع الطريق ، والسرقة ،وشرب الخمر وغير ذلك ثم أن شيخا من المشائخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعها يجتمعون فيه بهذه النية ،وهو بدف بلا صلاصل وغناء المغنى بشعر مباح بغير شبابه ، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة وأصبح من لا يصلى ويسرق ولا يزكى يتورع عن الشبهات ويؤدى المفروضات ويجتنب المحرمات فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح ؟ مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا ؟
وقبل إيراد جواب ابن تيمية ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن هذه الواقعة التى أفتى فيها ابن تيمية بهذه الفتوى القوية جمعت أمورا :
الأول/ سوء حال المدعوين قبل هدايتهم بأن كانوا مرتكبين لذنوب كبائر متعدية كالقتل وسرقة المال وقطع الطرق .
الثانى/ صلاح الداعية بأن شيخا معروفا بالخير واتباع السنة .
الثالث/ أنه قصد من فعله الخير .
الرابع/ لم يمكنه إلا اتخاذ هذه الطريقة لهدايتهم .
الخامس/ أنه لم يقع معهم فى محرمات كبائر وإنما دف بلا صلاصل وغناء بشعر مباح بغير شبابة .
السادس/ أن ترتب على هذه الطريقة مصلحة كبيرة وخير عظيم .ومع هذا كله لم تغلب ابن تيمية عاطفته ولم ينكسر لها ، بل بنى فتواه على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية فكان حكمه فى هذه الواقعة ما سترى .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها : أن يعلم أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ،وكفى بالله شهيدا، وانه أكمل له ولأمته الدين ،كما قال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الأسلام دينا ) وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه والشقاوة لمن عصاه
فقال تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) ،وقال تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله فإن نار جهنم خالدين فيها أبدا ) .
وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به ،كما قال تعالى: ( يأيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم. فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرا وأحسن تأويلا ) ، وأخبر أنه يدعو إلى الله وإلى صراط المستقيم كما قال تعالى : ( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ) ، وقال تعالى:
( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ).
وأخبر أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث كما قال تعالى : ( ورحمتى وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويأتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون )
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكل معروف ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب وحرم كل خبيث وثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال : " ما بعث الله نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعمله لهم " وثبت عن العرباض بن سارية قال : " وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب ،وذرفت منها العيون ، قال فقلنا : يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد علينا ، فقال : أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ،وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما تركت من شئ يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به " وقال : " تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك " .
وشواهد هذا " الأصل العظيم الجامع " من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه أهل العلم فى الكتب " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " كما ترجم عليه البخارى والبغوى وغيرهما ، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين ، وجنده الغالبين ، وكان السلف – كمالك وغيره – يقولون :السنة كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق ،وقال الزهرى : كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة جادة .
إذا عرف هذا فمعلوم أن ما يهدى الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به العاصين ، لابد أن يكون فيما بعثه الله به من الكتاب والسنة وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفى فى ذلك ، لكان دين الرسول ناقصا محتاجا تتمة وينبغى أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب . والأعمال الفاسدة نهى الله عنها .
والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة ،فإن الشارع الحكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه ، كما قال تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون ) ، وقال تعالى: ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك .
وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ،ولم يشرعه الله ورسوله : فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه ،وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبا على ضرره لم يمهله الشارع ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم حكيم ، لا يهمل مصالح الدين ، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين .
إذا تبين هذا فنقول للسائل : إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر ، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعى . يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التى تتوب العصاة أو عاجز عنها فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التى أغناهم الله بها عن الطرق البدعية.
فلا يجوز أن يقال : إنه ليس فى الطرق الشرعية التى بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة ، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التى ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعى ، بل السابقون الأولون سمن المهاجرين والأنصار والدين اتبعوهم بإحسان – وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة – تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية ، لا بهذه الطرق البدعية. وأمطار المسلمين وقراهم قديما وحديثا مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه ،وفعل سما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية سلا بهذه الطرق البدعية .
فلا يمكن أن يقال : إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية ، بل قد يقال : إن فى الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية ، عاجزا عنها ليس عنده علم بالكتاب والسنة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه مما يتوب الله عليهم فيعدل هذا الشيخ سعن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية . إما مع حسن القصد . إن كان له دين وإما أن يكون غرصه الترأس عليهم وأخذ أموالهم بالباطل كما قال تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية لا لجهل ،أو عجز ، أو غرض فاسد، وإلا فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع انبيين والعارفين والمؤمنيين ، قال تعالى فى النبيين : ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرة إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) . وقال تعالى فى أهل المعرفة : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) ، وقال تعالى فى حق أهل العلم : ( إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون إلى الأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) ، وقال فى المؤمنين : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ) . وقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله ) .
وبهذا السماع هدى الله العباد ، وأصلح أمر المعاش والمعاد ،وبه بعث الرسول صلى الله عليه وسلم وبه أمر المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وعليه كان يجتمع السلف كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأ وهم يستمعون ،وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لأبى موسى : ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون . وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم الأشعرى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال لقد : أوتى هذا مزامير آل داود وقال : " مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال : لو علمت أنك تسمعنى لحبرته لك تحبيرا " أى لحسنته لك تحسينا .
وفى الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : " اقرأ على القرآن. فقال : إقرأ عليك القرآن وعليك أنزل ؟! فقال : إنى أحب أن أسمعه من غيرى . قال فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال لى : حسبك، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من البكاء وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال : " خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " .
ولم يكن فى السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا. لا بالحجاز، ولا باليمن ، وبالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك . وقد مدح الله أهل السماع المقبلثين عليه وذم المعرضين عنه . وأخبر أنه سبب الرحمة فقال تعالى : ( وإذا قرأ عليهم القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ) ، وقال تعالى : ( والذين ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) ،وقال تعالى : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) ،وقال تعالى : ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة ) . وقال تعالى : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه ) ، وقال تعالى : ( فإما يأتينكم منى هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى سقال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) ومقل هذا فى القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة ، ويأمرهم بسماع ذلك.
وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين : فى المغرب ، والعشاء والفجر قال تعالى : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر مشهودا ) وبهذا مدح عبد الله بن رواحة النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال :
وفينا رسول يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافى جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
اتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
وأحوال أهل هذا السماع مذكورة فى كتاب الله ، ومن وجل القلوب ودمع العيون واقشعرار الجلود وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه القرون فأنكره الأئمة حتى قال الشافعى – رحمه الله- خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير ، يزعمون أنه يرقق القلوب يصدون به الناس عن القرآن . وسئل الإمام أحمد عنه فقال : محدث ، فقيل له : أنجلس معهم فيه ، فقال : لا يجلس معه .
والتغبير هو الضرب بالقضيب على جلودهم ومن أمثل أنواع السماع وقد كرهه الأئمة فكيف بغيره والأئمة والمشائخ الكبار لم يحضروا هذا السماع المحدث ، مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم ابن أدهم ،وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والسرى السقطى وأمثالهم ، ولا أكابر الشيوخ المتأخرين مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى، والشيخ ابى البيان وطائفة من الشيوخ حضروه ثم رجعوا عنه . وسئل الجنيد عنه فقال : من تكلف السماع فتن به ، ومن صادفه السماع استراح به فبين الجنيد أن قاصد هذا السماع صار مفتونا ،وأما من سمع ما يبناسببه بغير قصد فلا بأس .
فإن النهى إنما يتوجه إلى الاستماع دون السماع . ولهذا لو مر الرجل بقوم يتكلمون بكلام مرم لم يجب عليه سد أذنيه؛ لكن ليس له أن يستمع من غير حاجة ،ولهذا لم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم ابن عمر بسد أذنيه لما سمع زمارة الراعى ؛ لأنه لم يكن مستمعا بل سامعا .
وقول السائل وغيره : هل هو حلال؟ أو حرام؟ لفظ مجمل فيه تلبيس. يشتبه الحكم فيه ، حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه ، وذلك أن الكلام فى السماع وغيره من الأفعال على ضربين :
( أحدهما ) أنه هل هو محرم ؟ أو غير محرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التى تلتذ بها النفوس . وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها . مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو ولا لقصد العبادة والتقرب إلى الله.
و( النوع الثانى ) أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم وأن تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات .
فيجب الفرق بين سماع المتقربين ، وسماع المتلعبين ، وبين السماع الذى يفعله الناس فى الأعراس والأفراح ونحو ذلك من العادات ، وبين السماع الذى يفعل لصلاح القلوب والتقربب إلى رب السموات ، فإن هذا يسأل عنه : هل هو قرية وطاعة ؟ وهل هو طريق إلى الله ؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم وتحريك وجدهم لمحبوبهم وتزكية نفوسهم وإزالة القسوة عن قلوبهم ونحو ذلك من المقاصد التى تقصد بالسماع كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع فى كنائسهم على وجه العبادة والطاعة لا على وجه اللهو واللعب .
وإذا عرف هذا فحقيقة السؤال :هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التى هى : إما محرمة؟ أو مكروهة ؟ أو مباحة ؟ قربة وعبادة وطاعة ، وطريقة إلى الله يدعو بها إلى الله ، يتوب العاصين ، ويرشد به الغاوين ويهدى به الضالين .
ومن المعلوم أن الدين له " أصلان " فلا دين إلا ما شرع الله ، ولا حرام إلا ما حرم الله ،والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا مالم يحرمه الله ، وشرعوا دينا لم يأذن به الله .
ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين : هل يباح له ذلك ؟ قال نعم ، فإذا قيل : إنه على وجه العبادة سكما يسعى بين الصفا والمروة ، قال : إن فعله على هذا الوجه حرام منكر ، يستتاب فاعله ، فإنه تاب وإلا قتل .
ولو سئل : عن كشف الرأس ولبس الإزار والرداء : أفتى بأن هذا جائز ، فإنه قيل : أنه يفعله على وجه اإحرام ، كما يحرم الحاج .قال : إن هذا حرام منكر .
ولو سئل : عمن يقوم فى الشمس . قال هذا جائز . فإنه قيل : إنه يفعله على وجه العبادة . قال : هذا منكر. كما روى البخارى عن ابن عباس – رضى الله عنهما – إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما فى الشمس .فقال: من هذا ؟ قالوا : هذا أبو اسرائيل يريد أن يقوم فى الشمس ، ولايقعد ولا يستظل ولا يتكلم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه ؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه .
وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك ،ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة . كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية : كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف ، فنهوا عن ذلك كما قال تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) فبين سبحانه أن هذا ليس ببر ، وإن لم يكن حراما ، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصيا، مذموما ، مبتدعا ، والبدعة أحب إلى أبليس من المعصية ، لأن العاصى يعلم أن عاص فيتوب ، والمبتدع يحسب أن الذى يفعله طاعة فلا يتوب .
ولهذا من حضر السماع لللعب واللهو لا يعده من صالح عمله ، ولا يرجو به الثواب ، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينا ،وإذا نهى عنه كما كمن نهى عن دينه ، ورأى أنه قد نقطع عن الله وحرم نصيبه من الله تعالى إذا تركه . فهؤلاء ضلال بإتفاق علماء المسلمين ،ولا يقول أحد أئمة المسلمين : إن اتخاذ هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى أمر مباح ؛ بل من جعل هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال ، مفتر ، مخالف لإجماع المسلمين .ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه ، ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا متكلما فى الدين بلا علم .
فالسؤال عن مثل هذا أن يقال : هل ما يفعله هؤلاء طريق وقربة وطاعة لله تعالى يحببها الله ورسوله أم لا ؟ وهل يثابون على ذلك أم لا ؟ وإذا لم يكن هذا قربة وطاعة وعبادة لله ، ففعلوه على أنه قربة وطاعة وعبادة وطريق إلى الله تعالى . هل يحل لهم هذا الاعتقاد ؟ وهل العمل على هذا الوجه ؟
وإذا كان السؤال على هذا الوجه لم يكن للعالم المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن هذا من القرب والطاعات ،أنه من أنواع العبادات ، وأنه من سبيل الله تعالى وطريقه الذى يدعو به هؤلاء إليه ، ولا أنه مما أمر الله تعالى به عبادة : لا أمر إيجاب ، ولا أمر استحباب ، وما لم يكن من الواجبات والمستحبات فليس هو محمودا ولا حسنة ولا طاعة ولا عبادة بإتفاق المسلمين .
فمن فعل ما ليس سبواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع ، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب لا سيما كثير من هؤلاء الذين يتخذون هذا السماع المحدث طريقا يقدمونه على سماع القرآن وجدا وذوقا . وربما قدموه عليه اعتقادا ، فتجدهم يسمعون القرآن بقلوب لاهية ،وألسن لاغية ،وحركات مضطربة وأصوات لا تقبل عليه قلوبهم ، ولا ترتاح إليه نفوسهم فإذا سمعوا "المكاء" و "التصدية" أصغت القلوب ،واتصل المحبوب بالمحب وخشعت الأصوات وسكنت الحركات فلا سعلة ولا عطاس ولا لغط ولا صياح وإن قرأو شيئا من القرآن أو سمعوه كان على وجه التكلفة والسخرة ، كما لا يسمع الإنسان ما لا حاجة له به ، لا فائدة له فيه ، حتى إذا ما سمعوا مزمار الشيطان أحبوا ذلك ، وأقبلوا عليه وعكفت أرواحهم عليه .
فهؤلاء جند الشيطان ،وأعداء الرحمن وهم يظنون أنهم من أولياء الله المتقين ،وحالهم أشبه بحال أعداء الله المنافقين فإن المنافقين ، فإن المؤمن يحب ما أحبه الله تعالى ،ويوالى أولياء الله ،ويعادى أعداء الله وهؤلاء يحبون ما أبغض الله ، ويبغضون ما أحب الله ، ويوالون أعداء الله ، ويعادون أولياؤه ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مزامير الشيطان ، وكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من أعداء الله ورسوله وجند الشيطان .
فيهم من يطير فى الهواء والشيطان طائر به ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه تصرعهم ، وفيهم من يحضر طعاما وإداما ، ويملأ الإبريق من الهواء والشياطين فعلت ذلك ، فيحسب الجاهلون أن هذه من كرامات أولياء الله المتقين وإنما هى من جنس أحوال الكهنة والسحرة وأمثالهم من الشياطين ومن يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية والشيطانية لا يشتبه عليه بالحق بالباطل .
وقد بسطنا الكلام على " مسألة السماع " وذكرنا كلام المشايخ فيه فى غير هذا الموضوع وبالله التوفيق . والله أعلم . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم . إلى هنا انتهى الجواب الإمام ابن تيمية – رحمه الله .
حكم وسائل الدعوة :
الناس فى وسائل الدعوة على طرفى نقيض : الطرف الأول/ صرح بأن وسائل الدعوة توفيقية مطلقا ، فكل ما لم يتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة من وسائل الدعوة وإن كان غير ممكن له فهو من جملة البدع حتى إن بعضهم حرم الأشرطة وإلقاء الدروس والوعظ عبر مكبرات الصوت .
أما الطرف الثانى/ صرح بأن كل وسيلة يمكننا اتخاذها وفعلها فيجوز لنا اتخاذها ، بل ويستحب وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أمكنهم اتخاذها وفعلها ولم يفعلوا ولا شك أن هؤلاء توسعا توسعا غير مرضى كما أن الطرف الأول ضيقوا تضييقا غير مرضى بل الوسط فى هذا وهو الصراط المستقيم – إن شاء الله – وبه يحصل فصل الخطاب ما قرره أبو العباس ابن تيمية إذ قال : " والضابط فى هذا – والله أعلم – أن يقال : أن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعوا إليه عقل ولا دين فما رآه الناس مصلحة نظر فى السبب المحوج إليه ، فإن كان السبب المحوج أمرا حدث بعد النبى صلى الله عليه وسلم من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه وكذلك إن كان المقتضى لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعارض زال بموته .
وأما ما لم يحدث سبب يحوج عليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهذا لا يجوز الإحداث فكل أمر يكون المقتضى لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودا لو كان مصلحة ولم يفعل يعلم أنه ليس بمصلحة وأما ما حدث المقتضى له بعد موته من غير معصية الخلق ، فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان :
أحدهما : أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة .
والثانى : أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة وهؤلاء ضربان :
منهم من لا يثبت الحكم ، إن لم يدخل فى لفظ كلام الشارع ، أو فعله ، أو إقراره وهم نفاة القياس. ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون ،فأما ما كان المقتضى لفعله موجود لو كان مصلحة ، وهو مع هذا لم يشرعه ،فوضعه تغيير لدين الله وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين ، من الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم وغير واحد من الصحابة " إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، وأئمة مضلون فمثال هذا القسم الآذان فى العيدين ، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء ، وأنكره المسلمون لآنه بدعة فلو لم يكن بدعة دليلا على كراهيته ، وإلا قيل هذا لذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله ، فيدخل فى العمومات كقوله : ( اذكروا الله ذكرا كثير ) ، وقوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) – ثم قال – ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة فى العيدين ، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينقضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له سبب هذا تفريطك فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة بقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم ، وأنت قصدك إقامة رياستك ، وإن قصدت صلاح دينهم ، فلا تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق فى ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك لا عن عملهم وذهان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة .
لاحظ – أخا الإيمان – أن ابن تيمية ذكر أن ذنوب العباد ليست سببا مبررا لإحداث المصلحة ( الوسيلة الدعوية ) بل فى هذه الحالة يؤمر الناس بترك الذنوب و المعاصى .
من كتاب الإمام ابن تيمية وجماعة التبليغ (الدعوة) إعداد عبد العزيز بن ريس الريس فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثـناء النشر..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الملل و النحل | السمات:ابن تيمية وجماعة التبليغ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























يوليو 13th, 2009 at 13 يوليو 2009 3:51 ص
جزاك الله كل خير, و اني لارجو منك تصويب الاخطاء الثي احدثتها في الايات التي استشهدت بها مع مراجعة لبعض الاخطاء الطباعية التي غيرت المعنى, و شكرا.
اخوك
يوليو 29th, 2009 at 29 يوليو 2009 9:32 م
اهل التبليغ هم الخير ولبركه وشكرن